Twitter Bird Gadget
لعبة المزرعة السعيدة لعبة الفراخ

كتيب المقررات الالكترونية ا للعام 2013/2014



تتشرف وحدة الخدمات الإلكترونية بالتعاون مع مركز إنتاج المقررات الإلكترونية – جامعة دمياط بأن تقدم للسادة أعضاء هيئة التدريس بالكلية كتيب المقررات الالكترونية للعام 2013/2014 المنتجة من جامعات مصرية والمتاحة للتفعيل والاستخدام خلال الفصل الدراسى الثانى للعام الجامعى 2013 /2014 .
ولذا على السادة أعضاء هيئة التدريس الراغبين فى تفعيل مقرر من تلك المقررات التوجه الى وحدة الخدمات الالكترونية بالكلية لملء استمارة التفعيل للمقرر.
يمكنك الاطلاع على المقرر من خلال زيارة الرابط التالى :

http://www.du.edu.eg/upFilesCenter/spe/1390137013.pdf

ماذا حدث للمصريين؟!



هذا السؤال هو عنوان كتاب للدكتور جلال أمين (هو الدكتور: جلال الدين أحمد أمين، عالم اقتصاد وأستاذ أكاديمي وكاتب ومفكر مصري، تخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1955م, وشغل منصب أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة عين شمس والجامعة الأميركية بالقاهرة، كما عمل أستاذًا زائرًا للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا. والده هو الكاتب والأديب المعروف أحمد أمين. من مؤلفاته: وصف مصر في نهاية القرن العشرين، عصر الجماهير الغفيرة، خرافة التقدم والتأخر) يرصد فيه التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري خلال نصف قرن من الزمان (خلال الفترة من 1945 إلى 1995) في مختلف النواحي الاجتماعية والثقافية وغيرها. [صدرت أول طبعة للكتاب عن دار الهلال، القاهرة: 1998م، وطبعته مكتبة الأسرة الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب: 1999م]

جولة عابرة بين الأسطر
يبدأ الكتاب بعرض بعض المشكلات التي يرصدها المتخصصون في المجالات المختلفة: السياسية والاجتماعية والدينية؛ فهناك تغيرات كبيرة طرأت على المجتمع في هذ الفترة بلا شك، دفعت العلماء إلى طرح العديد من النظريات حول أسباب هذه التغيرات.

فمنهم من يرى أن السبب الرئيس هو الانفتاح الاقتصادي في فترة السبعينيات من القرن الماضي، بينما يرى البعض أن السبب يعود إلى الهجرة للعمل في الدول "النفطية".

بينما يرى الكاتب أن هذه الأسباب تبدو قاصرة لتفسير هذه التغيرات، ويطرح تفسيرًا مبنيًّا على نظرية "الحراك الاجتماعي".

التعريف بالنظرية
يعرف علماء الاجتماع الحراك الاجتماعي (Social Mobility) بأنه: انتقال الأفراد من مركز إلى آخر، ومن طبقة إلى أخرى.

وهو على نوعين:
الحراك الاجتماعي الأفقي (Horizontal Mobility): وهو تحرك الأفراد والجماعات من مركز اجتماعي إلى آخر في نفس الطبقة.

والحراك الاجتماعي الرأسي (Vertical Mobility): وهو انتقال الأفراد من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أعلى وأرقى. [معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، الدكتور: أحمد زكي بدوي، طبعة مكتبة لبنان، الطبعة الأولى: 1977م]

من خلال هذ النظرية شرع المؤلف في رصد وتحليل بعضٍ من الظواهر الاجتماعية المختلفة.

فمثلًا: يرصد لنا المؤلف ظاهرة اقتناء "السيارة الخاصة"، متعجبًا من السلوك الاجتماعي الغريب في التعامل مع هذه المسألة. [ماذا حدث للمصريين، ص178]

ففي أوائل القرن الماضي كان الاعتماد كليًّا على المواصلات العامة، وكان اقتناء السيارة الخاصة مقصورًا على شريحة صغيرة جدًّا من المجتمع؛ فكان لا يقتنيها في العادة إلا الأثرياء، أو من حالت ظروفه الصحية دون استخدام المواصلات العامة، التي كانت تحظى باحترام كبير.

ومع مرور الأيام ظلت الشوارع كما هي، باستثناء الضواحي الجديدة، وازداد تعداد السكان بشكل كبير؛ فكان من المتوقع زيادة الاعتماد على المواصلات العامة، أو المواصلات الخفيفة؛ كالدراجة أو "الموتوسيكل"، لكن على العكس: زاد الاعتماد على السيارات الخاصة، حتى صار للبيت الواحد سيارة لكل فرد منها، وهذا أدى إلى تفاقم مشكلة التكدس المروري والزحام الخانق.

وبالتدريج تغيرت النظرة الاجتماعية نحو المواصلات العامة، فصارت محل ازدراء واحتقار، وصارت السيارة الخاصة علامة من علامات الوجاهة في المجتمع؛ بل صارت جزءًا محوريًّا في معادلة تقييم الإنسان مجتمعيًّا.

ومن هنا دخلنا في حلقة غبية مفرغة: يزداد الشعور باحتقار المواصلات العامة، فيزداد النفور منها، ويزداد الإهمال لها، ومن ثم يزداد الإقبال على السيارات الخاصة، فيزداد الضغط على الشارع ويزداد الاختناق، وهكذا.

ويبقى السؤال: هل نجح الكاتب بالفعل في تحديد أسباب هذه الظواهر والتغيرات؟

لقد نجح الكاتب بالفعل في إثارة التساؤل، كما نجح في رصد وتتبع بعض الظواهر، لكن في رأيي أن الأطروحة التي قدمها لتفسير تلك الظواهر والتغيرات ليست دقيقة.

قد تساعد نظرية "الحراك الاجتماعي" في تفسير جزء من الظاهرة، أو تفسير آلية إحداث التغيير في السلوك الاجتماعي، لكن أن تكون هي التفسير العلمي المقبول لكل جوانب الظاهرة =فهذا محل نظر.
على سبيل المثال: ظاهرة "ضعف اللغة العربية"[ماذا حدث للمصريين، ص155]، يفسرها المؤلف في ضوء نظرية "الحراك الاجتماعي"؛ حيث يطرح التصور: أن هذا الحراك أدى إلى صعود شرائح من المجتمع من الطبقات الدنيا إلى الطبقات الأعلى.
وهذا أدى بدوره إلى نشأة حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي، ووجود حالة من عدم الاطمئنان لدى هذه الشريحة الجديدة، فلقد وقعوا في ورطة اجتماعية كبيرة؛ فهم لم يحققوا ما حققه مَن هم أعلى منهم في السلم الاجتماعي، وفي نفس الوقت يسيطر عليهم هاجس السقوط نحو الطبقات الدنيا التي فروا منها بشق الأنفس؛ فولد هذا رغبة جامحة لإثبات الذات، وتثبيت الوضع الطبقي في المجتمع.

كل هذا دفع تلك الشرائح الجديدة إلى التطلع نحو "التغريب"، ونبذ الانتماء الأصلي للغة العربية، بل والثقافة العربية ككل، كمحاولة لإثبات الرقي والتدليل على الجدارة بهذا الوضع الاجتماعي الجديد.

وهذا الطرح -كما نرى- يصلح كتفسير جزئي للظاهرة، ولكن لا يصلح كنظرية شمولية تجمع أطراف المشهد المتشابكة؛ فهناك بُعد أهم في تحليل وتفسير الظاهرة, وهو البعد الديني؛ فضعف التمسك بالدين، وضعف الثقافة الدينية، وإهمال التعليم الديني، تشكل ملامح هذا العامل الحيوي، الذي يعد بالفعل العامل الرئيس لضعف الاهتمام بلغة الدين، اللغة العربية.

كما أن غلبة التيار "التغريبي" على الثقافة، والتيار "التخريبي" على التعليم، من الأسباب التي لا يستطيع الباحث غض الطرف عنها عند تناول هذه الظاهرة من منظور شمولي.

ومن الظواهر أيضًا التي فسرها الكاتب في ظل نظرية "الحراك الاجتماعي": ظاهرة ما أسماه "التعصب الديني ضد الأقليات" [ماذا حدث للمصريين، ص81] والتي رصد فيها المؤلف حالات العنف تجاه الأقليات الدينية في المجتمع.

وبغض النظر عن صواب التوصيف من عدمه، فالذي يهمني هو مناقشة التفسير الذي قدمه المصنف للظاهرة؛ فنفس التحليل السابق سحبه المؤلف هنا على ظاهرة العنف وغياب التسامح الديني؛ حيث كان الانتقال الطبقي هو السبب في حالة عدم الاستقرار الاجتماعي، الذي دفع بدوره أفراد هذه الشرائح دفعًا نحو إثبات الذات، كل هذا رسخ في أبناء هذه الشرائح الرغبة العارمة في الإحساس بأن لهم "قيمة" في هذا المجتمع؛ فوجدوا هذه "القيمة" في التمسك الشديد بظواهر الدين، مع الاستعلاء على الآخرين بهذه المكانة الدينية، وهذا أدى بدوره إلى غياب ثقافة التسامح، وازدياد النفور من "الآخر"، الذي ترتب عليه هذه الحوادث الطائفية.

و لا يخفى على أي متابع أو محلل أن هذا تبسيط مخل لظاهرة معقدة؛ فهذا التحليل قد يكون صحيحًا في حق مجموعة من الأفراد؛ لكنه لا يرقى إلى مستوى النظرية العامة التي تفسر هذا التغير المجتمعي الخطير.

فليس صحيحًا أبدًا أن التمسك بالدين هو مجرد هروب من واقع اجتماعي، كما يحلو لكثير من أنصار التغريب وأصحاب الاتجاهات المتباينة (الليبرالية واليسارية) أن يفسروا "ظاهرة التدين"!

كما أنه ليس صحيحًا أبدًا أن التمسك بالدين يعنى التعصب ضد الآخرين؛ بل العكس هو الصحيح، كما لا يخفى على أي مطلع على تعاليم هذا الدين الحنيف، حتى و لو كان اطلاعه سطحيًّا أو عابرًا، وليس صحيحًا أن غياب التسامح مقصور على طائفة دون طائفة!
و التناول لهذه الظاهرة يحتاج إلى بحث مفصل ليس هذا موضعه.

نحو مزيد من التغير
لقد نجح الكتاب بالفعل في إثارة السؤال: ماذا حدث للمصريين؟!
والظواهر المرصودة غطت حيزًا زمنيًّا طويلًا نسبيًّا؛ لكن مع مرور ما يقرب من عقدين على تلك الفترة محل البحث طرأت على المجتمع تغيرات أكثر، ولعلها أكبر وأخطر من تلك التي رصدها الكتاب.
فحاليًا نستطيع أن نرصد بوضوح ازدياد انكماش مساحة التسامح، وتقبل المخالف، مع ازدياد مضطرد في رقعة التعصب، والرفض للمخالف على طول الخط.

الصراعات السياسية والتماوجات الثورية أفرزت نمطًا جديدًا على السلوك الاجتماعي؛ حيث صارت الاشتباكات الفكرية التي تتطور إلى معارك حقيقية، ظاهرة مألوفة ومبررة تحت غطاء التغير التاريخي الجديد؛ بل وتعدى الأمر مرحلة الاشتباك الفكري إلى الاشتباك البدني، مع استسهال هذه الآلية في التعامل مع الخصم.

هذه الظاهرة هي من أخطر الظواهر التي مرت بالمجتمع على الإطلاق؛ فتحويل المجتمع إلى معسكرات متحفزة هو أول خطوة نحو الاحتراب الداخلي، والتفتيت. ومن آثار ذلك بروز سلوكيات شاذة على النسيج المصري: كالسادية، والعنصرية, وغيرها. (السادية: نسبة إلى المركيز "دي ساد" (Marquis de Sade) الذي كتب في القرن الثامن عشر عن المتعة الجنسية عن طريق إيلام الآخر، ولم تعد السادية مقصورة في الطب النفسي على مجرد الانحراف الجنسي، بل صارت تعبر عن انحراف نفسي لدي الشخص الذي يشعر باللذة مع آلام الآخرين. [معجم مصطلحات الطب النفسي ص166، طبعة مركز تعريب العلوم الصحية،بتصرف] والعنصرية (أو العرقية): هي الاعتقاد بأن العرق هو العامل الأكثر فعالية في تكوين السمات والمواهب البشرية، وأن الفروق العرقية تولد امتيازًا فطريًّا عند عرق بعينه. وأعني به هنا: تقسيم المجتمع على أساس الانتماء الفكري أو الأيديولجي أو السياسي، والتفاضل بناء على هذه التقسيمات. [الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية: د/ إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي])

أضف إلى هذا: الانفتاح المجتمعي الرهيب كنتيجة لدخول عصر العولمة الثقافية، من خلال أدوات الاتصال الحديثة؛ كالهاتف المحمول، والشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، والفضائيات، وما أعقبه من انفلات مجتمعي خطير، في السلوكيات والأخلاق.

وبالطبع تمثل التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية المستجدة عاملًا لا يستهان به في التأثير المجتمعي.

كل هذه العوامل وغيرها أفرزت سلوكيات وتغيرات جديدة وخطيرة جديرة بالبحث والمتابعة، وتحتاج إلى تضافر الجهود البحثية على مختلف المستويات: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية؛ لرصد وتحليل هذه التغيرات الخطيرة، كخطوة تشخيصية تعقبها الخطوات الإصلاحية المطلوبة.

الحل السحري



إنه ذلك الحل الذي ينتظره الجميع، وتلك الإجابة التي يظنون أنك قادر على أن تسقيهم إياها برشفة واحدة يسيرة، جُلهم ينتظر المنقذ والمخلص الذي يمتلك الحل ويعرف إجابة كل تلك الأسئلة الصعبة التي تحيط بنا.

نعم هي أسئلة صعبة، لا بد أولًا أن نعترف بذلك؛ فتلك هي بداية المشكلة حيث يضطر البعض لإنكار تلك الصعوبة، نظرًا للضغوط التي تمارس عليهم لإجبارهم على إيجاد الحل السحري السريع، ومن ثم يبحثون عن الوهم المعسول الذي يُغرقون فيه أتباعهم ومحبيهم بالتدريج، من خلال مخدرات فكرية وواقعية تمارس عليهم باستمرار، حتى تبدو الحلول التي يطرحها المفكر أو المنظر أو القيادي وجيهة ومنطقية في مواجهة تلك الأسئلة التي سهلتها تلك المخدرات والأوهام الفكرية.

لذلك لابد ابتداء من التخلص من تلك المخدرات الفكرية، التي يحرص البعض على بثها في عقول مريديهم، مصورين الأمور كلها سهلة وبسيطة، ومهونين من شأن المرحلة الحرجة التي نمر بها، وموهمين أتباعهم ومصدقيهم أن النصر أقرب إليهم من شراك نعالهم، لا بد من الإقلاع عن تعاطي تلك المخدرات الفكرية، والنظر إلى الواقع جيدًا، لا لنيأس أو لنحبط ونقعد باكين على اللبن المسكوب، فتلك ليست خيارات أصلًا؛ بل لنحسن العمل والتأثير في إطار المتاح والممكن والواجب، ولتتكامل الرؤى بغية الوصول لأقرب الحلول من خلال التفكير الجمعي ذي الوحدات المتواضعة المتعاونة، وليس من خلال المنقذ الأوحد الذي يمتلك كل الحلول والإجابات.

علينا أولًا التحرر من تلك الأطروحات الوهمية لنستطيع أن نُقَيِّم الواقع تقييمًا سليمًا، وأن ندرك ببساطة أنه لا حلول سحرية، وأنه ثمة فارق ليس بيسير بين التحليل والتوصيف من جهة، وبين إيجاد الحلول الناجعة والسبل النافعة التي تمكن المرء من حل تلك المعضلات المحيطة من جهة أخرى.

البعض للأسف تذوب لديهم هذه الفوارق، فإما أن يهونوا التوصيف لكي تسهل الأمور ويجدوا حلولا سحرية مخدرة لا علاقة لها بحل المعضلات الحالية التي لا يعترفون أصلًا أنها معضلات كما بينت في السطور السابقة، وإما أن يختاروا الاستسلام كحل واليأس كخيار، وذلك حين يعترفون أن الواقع صعب وأن الحياة صارت قاسية والخلاص صار مستحيلًا. وأحيانا يكون الإحساس باليأس خيارًا مريحًا، خصوصًا اليأس من التغيير وفقد الأمل في الإصلاح، وقد يلجأ البعض إلى هذا الخيار دون شعور منهم، وربما دون تصريح؛ لكن لسان حالهم وربما بعض مقالهم يصرخ بتلك المحصلة التي وصل إليها سعد باشا قبلهم حين قال: "ما فيش فايدة".

ولو أن المرء استطاع أن يميز بين التحليل والتوصيف من جهة، وبين إيجاد الحلول من جهة أخرى، وأن يفرق أيضًا بين إيجاد الحلول المؤثرة والمغيرة، وبين القيام بواجب الوقت حتى لو لم يكن فيه الحل الجامع والعاجل =لاستقرت نفسه ولاستطاع أن يجد له مكانًا سديدًا في ذلك الواقع القاسي.

حين يجيد المرء التوصيف ليفاجأ بقسوة الوضع الراهن قد لا يجد حلًّا عاجلًا يستطيع أن يجزم من خلاله بالإجابة الصحيحة، التي من خلالها تفك طلاسم تلك المعضلات الآنية والمعادلات الصفرية؛ لكن ما ينبغي عليه هو أن يعلم ويتذكر أنه على الرغم من تلك الصعوبات والمعضلات فإنه لم يزل مكلفًا بواجب مهم: واجب الإعذار إلى الله. والإعذار لا يشترط فيه أن يكون حلًّا آنيًا أو عاجلًا، والصدع بالحق على مدار التاريخ لم يكن دائمًا سبيلًا موصلًا لنهاية دنيوية سعيدة لمن قام به.

بل بمقاييس الدنيا كان الصدع بالحق والقيام بواجب الإعذار إلى الله في أحيان كثيرة طريقًا للاستضعاف والاضطهاد، وربما القتل بأبشع الوسائل من قِبَل من صُدع في وجوههم، وما كان صَلب السحرة وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وما كان قتل حبيب النجار مؤمن آل ياسين وغيره من الصادعين على يد قومهم، إلا نماذج خالدة توضح أن النجاة الدنيوية ليست شرطًا، ولو أن أصحاب الرسالة قد التفتوا لتثبيط المثبطين، وتخذيل المعوِّقين الذين لم يفرقوا بين التوصيف وبين التكليف، لما صنعوا شيئًا أمام معضلات واقعهم القاسية، ولكان مآل حالهم القعود واليأس، ولما اؤتمر بمعروف ولما نُهي عن منكر، ولما صُدع بحق أو أُبطل باطل.

لكن صاحب الرسالة يمضي في طريقه ولا يلتفت، ولا يُسلم أذنيه لأهل التثبيط والكسل واليأس والإحباط، وهو حين يمضي يضع نصب عينيه أمرين أساسين: أولهما: الإعذار إلى ربه والسعي لإرضائه. وثانيهما: الأمل في التغيير من خلال المتاح والممكن، ذلك الأمل الذي لا ينقطع وإن انقطعت الأسباب.

يظهر ذلك جليًّا في رد الناهين عن السوء في قصة أصحاب السبت، حين جاء المثبطون والمحبطون ليعوِّقوهم وليكسروا عزائمهم، زعمًا منهم أنه لا فائدة ترجى من صنيعهم، فكان الرد حاسمًا ساطعًا براقًا: "قالوا مَعذرةً إلى ربِّكُمْ ولعلَّهمْ يَنتهون" [الأعراف: 164]
فإن لم يستطع المرء برؤيته العاجلة وتحليله للحالة المعاصرة ظاهرًا أن يجد أثرًا لما يفعل في تغيير الواقع، فليس هذا معناه أن التكليف قد سقط عنه ذلك، لأن الله لم يتعبده بالنجاح والثمرة، ولكنه تعبده بغرس الفسيلة وإن لم ير نتاجها، وكفى بالمرء شرفًا أنه حاول وغرس واستفتح وأعذر إلى ربه. إنها تلك القيمة التي لخصها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها". حتى في ذلك الظرف الرهيب الذي تيقن فيه أنه لن يأكل منها فإنه مُكلف بالغرس، مُكلف بالنفع المتعدي طالما كان ذلك بيده.

ربما كان الأمر على سبيل المبالغة في الحث على غرس الخير؛ فإن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل فيها المرضعة عما أرضعت، ومن باب أولى يذهل حامل الفسيلة عن غرسها؛ لكن المعنى واضح والقيمة ظاهرة، معنى غرس الفسيلة بغض النظر عن إدراك ثمرتها وصنع الخير دون انتظار نتائجه العاجلة، وقيمة تجاوز الآمال الضيقة والعاجلة والأعمار المحدودة، ومخالفة طبيعة التمحور حول الذات، والتفكير أحيانًا في أن هناك شيئًا يقال له العطاء، ولا يدري المرء لعل الله يسوق له ثمرة ذلك العمل من حيث لا يحتسب.

المهم أن يقوم العمل ويقع النفع، المهم أن تُغرس الفسيلة، وأن يحاول ويبذل ولا يتوقف ولا يتثاقل طويلًا في انتظار الحلول السحرية، ولا يستسلم للحسابات المادية التي لا ينكر أحد ممن تلقوا علمًا شرعيًّا أن في دين الله اعتبارًا لها، ولتقدير المصالح والمفاسد وللمآلات المتوقعة والنتائج المفترضة؛ لكن ما يُنكر هو المبالغة في ذلك، وتكلفه بشكل يؤدي إلى تحول الدين إلى تنازل مستمر أو استسلام على طول الخط.

ولو أن كل تضحية أقدم عليها إنسان وكل موقف شرف وعزة وقفه أهل الإسلام سبقته كل تلك الحسابات المادية المعقدة، والمعادلات المتكلفة، والمخاوف المزعومة، والمرجوات والمطامع المتوهمة، والشروط التعجيزية، والرؤى الانبطاحية -لما صدع بالحق صادع، ولما ثبت على مبادئه ثابت، ولما أمر بمعروف آمر، ولا نهى عن منكر ناهٍ، ولاختفت من تاريخ المسلمين كل مواطن العزة والإباء، ولاندثرت في نفوسهم معاني التضحية والفداء، ولصار على مر العصور أقصى أمانيهم ومنتهى أحلامهم أن يرحمهم عدوهم، وأن يُبقي على حياتهم ظالمهم.
لكن الله سلم وقيض للحق أناسًا، يبذلون في سبيله كل غالٍ ونفيس، ويقفون لنصرته في كل موطن شريف، حتى لو أنفقوا في سبيل ذلك أموالهم، وبذلوا أنفسهم التي كانوا قد أيقنوا من قبل ذلك أنها ثمن رخيص لسلعة غالية، وأن البيع رابح فالله هو من اشترى، ليس هذا معناه إهمال الأسباب، أو التقصير في البحث عن التأثير والإثمار، ورفض نصح الناصحين، وعدم اعتبار حرص الحريصين على الأفضل؛ لكنه فقط وضع للنقاط على الحروف، ونبذ للتخذيل والتثبيط وأهله.

إنه نبذ لعبادة الثمرات والنتائج، وتعلق القلب الدائم بالأسباب السهلة والحلول السحرية، والذي قد يورث يأسًا وإحباطًا واستسلامًا وقعودًا في انتظار معجزة خارقة؛ مما يؤدي إلى توقف جهد التغيير، نظرًا لاستبطاء النتائج والتقصير في الواجب العيني بسبب استصعاب التغيير العام، إنما يُلقي الصادقون عِصِيَّهم، ويصدعون بما يدينون به لله به، وهذا ما يجب ابتداءً، وبعده أو معه تكون محاولة البحث عن حلول حقيقية تحرك هذا الوضع التقليدي الكئيب وتزحزحه إلى الأفضل، وبدون حلول سحرية.

دراسة السيرة النبوية



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإن دراسة السيرة النبوية المطهرة من أعظم ما ينبغي الاحتفاء به، والاعتناء بتحصيله، على عوام المسلمين وخواصهم، لما في ذلك من الفوائد الجليلة التي تعود عليهم في دنياهم وأخراهم.
ويكفي للاقتناع بأهمية الاطلاع على السيرة - بل التبحر فيها - أن يُعلم أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الدين وقواعده، التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بها. وهذه المحبة لا تستقر في قلب المسلم إلا بعد معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام المعرفة، وإلا كان التكليف بمحبته مع الجهل بخصاله وصفاته الخِلقية والخُلقية من باب التكليف بما لا يطاق! ومهما زادت معرفة المسلم بإمامه وقدوته – عليه الصلاة والسلام – فإن محبته في القلب تزيد وتعظم.
وإذا علمت أهمية دراسة السيرة النبوية، فإن من اللازم وضع الخطط المحكمة، واتباع المناهج الصحيحة لتحصيل ذلك، وإلا كانت قراءة فوضوية، لا تبني علمًا، ولا تؤسس قاعدة معرفية صلبة.

السيرة علم!
كانت السيرة في بداياتها فرعًا من علمي الحديث والتاريخ، ثم ما لبثت أن استقلت، وصارت علمًا قائمًا بذاته، له مؤلفاته ومناهجه العلمية الخاصة.
ولا ريب أن الجانب الوعظي والدعوي في السيرة النبوية المطهرة عظيم القدر، جليل الشأن، ولكن لا ينبغي أن يغطي على الجانب العلمي فيها؛ فالسيرة تدرس كما تدرس العلوم الشرعية الأخرى، وبالمناهج نفسها – من حفظ وفهم ودراسة ومذاكرة ومطالعة ونحو ذلك -، وتزيد بأن فيها جانبًا عظيمًا من ترقيق القلوب، وإصلاح النفوس، وتربية المهج على محبة صاحبها، الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم.
وقد غلط في هذا الموضع أكثر العصريين، فتعاملوا مع السيرة في جوانبها الوعظية والدعوية فقط، وأهملوا الجانب العلمي الدقيق؛ ولذلك صرنا نرى أكثر طلبة العلم يطالعون كتب السيرة العصرية السهلة، التي تعنى باستنباط الفقه الدعوي والحركي وما أشبه ذلك، فيحصل لهم تقصير شديد في جانب تحصيل المعلومات المجردة، واختزانها في الذاكرة.
ولذلك يندر اليوم طالب العلم الذي يستطيع استحضار بعض المعلومات السهلة التي يقبح جهلها، مثل أسماء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، أو نسبه الشريف، أو ترتيب الغزوات في الزمن، ونحو ذلك.
ولو أن الطالب حفظ في هذا الفن متنًا جامعًا، وأتقن فهمه، وذاكر هذا الفن في كتبه المعتبرة، لكانت هذه المعلومات حاضرة على طرف لسانه!

مصادر السيرة النبوية:
يمكن تقسيم مصادر السيرة النبوية إلى ثلاثة أقسام كبيرة:
أولها: المصادر الأصلية
وعلى رأسها القرآن الكريم، فإن فيه ذكرًا لكثير من أحداث السيرة المكية والمدنية، ويستعان على فهمها بكتب التفسير، خاصة منها التفسير بالمأثور.
ثم كتب السنة التي تعقد أبوابًا خاصة للمغازي والسير، ويضاف إليها ما في كتب الرجال والتراجم من التحقيقات العلمية لكثير من الأحداث المتعلقة بالصحابة خصوصًا.
ومن ضمن كتب السنة: كتب الشمائل النبوية (ومن أشهرها الشمائل للترمذي، وأخلاق النبي وآدابه لأبي الشيخ، والأنوار في شمائل النبي المختار للبغوي...)، وكتب دلائل النبوة (ومنها دلائل النبوة لأبي زرعة، وأعلام النبوة لأبي داود، ودلائل النبوة للفريابي والسرقسطي والطبراني وأبي نعيم والبيهقي...)، وكتب الخصائص (وقد جمع أكثرها السيوطي في كتابه المشهور، على ما فيه من قلة التحقيق والتمحيص).
ثم تأتي كتب المغازي والسير الأصلية، وعلى رأسها سيرة ابن إسحق، التي هذبها ابن هشام، وشرحها السهيلي في الروض الأنف. وقد صارت هذه السيرة عمدة كل المتكلمين في هذا الفن، حتى طمست كثيرًا من المصادر الأخرى، إلا عند أهل التحقيق والتدقيق، فإن لهم منهجًا دقيقًا واضحًا في التعامل مع هذه المصادر جميعها.
ومن كتب المغازي المشهورة: مغازي الواقدي. وفي طبقات ابن سعد نقول كثيرة عن الواقدي في هذه المباحث.

والقسم الثاني: المصادر الفرعية
وهي الكتب التي تعتمد على المصادر الأصلية في مادتها العلمية، وأغلبها من تصنيف المتأخرين.
فمنها كتب جامعة في السيرة، منها كبير وصغير، مثل: الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، وعيون الأثر لابن سيد الناس، وسبل الهدى والرشاد للصالحي، والمواهب اللدنية للقسطلاني، وزاد المعاد لابن القيم (وهو إلى معنى ''فقه السيرة'' أقرب) وغيرها مما لا سبيل لإحصائه.
ومنها كتب التاريخ العام، والتراجم والطبقات: مثل تاريخ الأمم والملوك للطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الإسلام للذهبي، وسير أعلام النبلاء له. ففي هذه الكتب – خاصة عند ابن كثير والذهبي – فصول عظيمة النفع في فن السيرة النبوية، أكثر طلبة العلم عنها غافلون!
ومنها كتاب تاريخ الحرمين، مثل تاريخ مكة للأزرقي والفاكهي، وتاريخ المدينة لابن شبة، والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لتقي الدين الفاسي، وخلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي.
ومنها كتب في التعريف بحقوق رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، والصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية.
ومنها الكتب العصرية الجامعة مثل: نور اليقين للخضري، والرحيق المختوم للمباركفوري.
ثم الكتب العصرية المعتنية بما يسمى ''فقه السيرة''، مثل: كتاب السباعي والغزالي والبوطي. وأغلب ذلك مجموع في كتاب الصلابي: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث.

والقسم الثالث: المتون وما يتعلق بها:
وهي كثيرة، لكنها غير مشتهرة عند طلبة العلم، لما أسلفنا من قلة عنايتهم بالجانب العلمي المحض في هذا الفن.
فمن أصغرها: (الأرجوزة الميئية) لابن أبي العز الحنفي، وهي منظومة في مائة بيت، سرد فيها صاحبها أحداث السيرة مرتبة. لكن فيها نقص كبير في أشياء هي من صميم هذا العلم.
وبعدها منظومة (قرة الأبصار في سيرة المشفع المختار) لعبد العزيز اللمطي المكناسي (توفي سنة 880)، وهي في أكثر من ثلاثمائة بيت من الرجز. وفي بعضها حشو لا يحتاج إليه، لو أزيل لنقص عدد أبياتها، وسهل حفظها دون إخلال بمقاصدها.
ومن أمثلة الحشو: أنه نظم قصة نذر عبد المطلب ذبح ابنه عبد الله، في نحو عشرة أبيات، وحقها أن تختصر في بيت أو بيتين!
ومن أمثلته أيضًا: أنه يجعل عنوان كل باب بيتًا منظومًا، كقوله مثلًا:
بيانُ مبعث النبي الهادي = صلى عليه خالق العباد
وفي هذه المنظومة مع ذلك، أبيات مختصرة نافعة، مثل نظمه للنسب الشريف إلى عدنان بقوله:
(معٍ شهٍ عقٍ كمٍ كلْغَفَمِنْ = كخْمٍ أمِنْ معٍ، إلى هنا زُكن)
فكل حرف منها هو أول حرف من أسماء آباء النبي صلى الله عليه وسلم:
محمد بن عبد الله بن شيبة (وهو عبد المطلب) بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وقوله إلى هنا زُكن: أي عُلم، لأن ما فوق عدنان من الأسماء غير معلوم بيقين.
وهذه الأسماء منظومةٌ في أربعة أبيات في نظم (عمود النسب) للبدوي بقوله:
النسب الذي عليه اتفقا = كل الورى إذ بالنبي أشرقا
أحمد عبد الله عبد المطلب = وهاشم عبد مناف المنتخبْ
ابن قصي بن كلاب مره = كعب لؤي غالب الغرّه
فهر بن مالك ونضر ذو السّكَهْ = كنانة خزيمة فمدركه
إلياسها مُضرها نزارُ = معد عدنان انتهى الخيارُ
ونظمتُها بقولي:
أبوه عبدُ الله، عبد المطلبْ = لِهاشمٍ، عبدِ منافٍ ينتسبْ
قصيُّهم، كلابُ، مرةٌ، خُذَا = كعبٌ، لؤيٌّ، غالبٌ، فهرٌ، كذا
ومالكٌ، نضرٌ، كنانةٌ وُجِدْ = خزيمةٌ مدركةٌ إلياس، زدْ
ومضرٌ، نزارُهم، مَعَدُّ = عدنانُ، ليس فوقَه يعدُّ
ومن شروح هذه الأرجوزة: بغية الأبرار لمحمد الحسن الخديم، ونزهة الأفكار لعبد القادر المجلسي، وغيرهما.
ومن المنظومات في السيرة أيضًا: (ذات الشفا في سيرة النبي المصطفى) لابن الجزري المقرئ المحدث المشهور، وهي في نحو خمسمائة بيت. وقد شرحها: محمد بن الحاج الكردي في (رفع الخفا).
ومنها أيضا: (نظم الغزوات) للبدوي الشنقيطي، وهو نظم نفيس، عظيم النفع جدًّا. ومن شروحه الحسنة: (إنارة الدجى) لحسن المشاط المالكي، و(روض النهاة) لحماد المجلسي، وفيه استدراكات على شرح المشاط.
وأطول منظومات السيرة: ألفية العراقي، وعليها شرح وسط لعبد الرؤوف المناوي مشهور متداول.

الطريقة المقترحة لدراسة السيرة النبوية
لا ريب أن أفضل مناهج دراسة العلوم الشرعية وأنجعها: ما جمع بين دراسة المتون بالطريقة التقليدية، ومذاكرة الكتب بالطريقة العصرية.
ولذلك فالمقترح أن يحفظ الطالب متنًا جامعًا، كألفية العراقي مثلًا. ويمكنه أن يحفظ بدلًا منها: متن قرة الأبصار، مع تكميل ما ينقصه من نظم الغزوات للمجلسي. ولا بد من قراءة ما تيسر من شروح هذه المتون، فيكون بذلك قد أحاط بأكثر مباحث السيرة، التي يحتاج فيها إلى حفظ وضبط.
وإلى جانب هذا، فمن المتعين أن يتعامل الطالب مع بعض كتب السيرة الجامعة التي ألفها المتقدمون؛ فيقبح بطالب العلم ألا يكون من ضمن مقروءاته مثلًا: سيرة ابن هشام وشرحها للسهيلي، أو عيون الأثر لابن سيد الناس، أو الشمائل للترمذي، أو زاد المعاد لابن القيم، أو ما أشبه هذه المؤلفات النافعة.
وعلى الطالب أن يستكثر من القراءة في فن السيرة، من كتب المتقدمين خصوصًا، فإن التمكن من هذا الفن لا يأتي إلا بعد تمرس طويل بالكتب المعتبرة فيه.
ولا بأس أن يكمل قراءته ببعض كتب المعاصرين، ويكفيه – في نظري - كتاب (السيرة النبوية) للصلابي.
والله الموفق.

كلم نفسك


الإنسان يكلم نفسه!

تلك حقيقة واقعة، ليس شرطًا أن يكون كلامًا باللسان لكنه حديث النفس الداخلي الذي لا يخلو منه إنسان، أسئلة وإجابات تطرح، آمال وأحلام تتشكل، أحزان وذكريات تسترجع، أفكار وخطرات، لمحات ولفتات، صرخات وهمسات، تمر جميعها بالذهن ولا يخلو منها يوم من أيام عمر الإنسان القصير. مشاعر متباينة تضطرم داخل النفس؛ غضب وفرح، كره وحب، وأحيانًا حقد وغل وحسد!

خليط رهيب من كل ما سبق من الكلمات والعبارات تتشاجر أحيانًا، وتتضافر أحيانًا أخرى، وتتجمل أحيانًا، وتكذب على بعضها، وقد تتراشق وتتكشف فاضحة نفسها أمام نفسها؛ لكنها في النهاية تظل داخل صدور لا يعلم ذاتها إلا الله، ويظل اضطرامها داخل النفس عاملًا مهمًّا من عوامل إكمال الحياة.

نعم، هذا الحديث يعتبر في الحقيقة من أهم وسائل العون واستمرار المسير في رحلة العيش، تخيل لو أنها كانت نفسًا صامتة لا تتحدث ولا تتجاوب ولا تلوم أو حتى تبرر، حينئذ لن تكون نفس إنسان، ستكون في تلك الحالة نفسًا مصمتة ويكون صاحبها أشبه بـ(الروبوت) أو الإنسان الآلي، وليست هذه هي النفس المطمئنة التي ذكرت في القرآن بل هي نفس متحجرة جامدة.

أو تخيل العكس.. نفس متجبرة متسلطة تبرز كل عيب و(تبروزه) في إطار ظاهر، وتجلد صاحبها عليه باستمرار، موجهة إليه شتى أنواع الإهانات والبذاءات، إنها حينئذ نفس كئيبة مدمرة، وليست هذه هي النفس اللوامة المحمودة بل هي نفس جلادة سادية تهوى العذاب والتعذيب؛ لكن أغلب الأنفس ليست كذلك.

أغلب الأنفس تحدث نفسها حديثًا مختلفًا، تستطيع معه العيش والتعايش مع نقصها وزللها وخطئها؛ فإن لم تتعاظم جدًّا فيكون حديثها مع نفسها كله تعظيمًا ومدحًا وتمجيدًا، كما في حال الأنفس المغرورة المتكبرة لأولئك الذين يرون أنفسهم هدية ينبغي على البشرية أن تفرح بكل سكنة من سكناتهم، وتسعد بكل حركة تصدر منهم؛ فإن جل النفوس الباقية تصل في مرحلة ما إلى التبرير أو التسويغ أو التمرير لما تفعله من أخطاء أو خطايا.

حتى لو صارحت نفسها بالخطأ ولامت نفسها عليه وربما تابت عنه (وتلك هي النفس الصالحة اللوامة) فإنها في النهاية لا بد أن تعبر وأن تتجاوز ذلك الخطأ أو الخطيئة لتكمل الحياة، فتحدث نفسها حينئذ بالرجاء والأمل في الرحمة، وربما تزين أحيانًا ما حدث بدعاوى الاضطرار والضعف الإنساني، أو تستدعي نماذج المخطئين من هنا أو هناك؛ لترى نفسها مثلهم أو أفضل حالًا منهم.

المهم أنها ستصل إلى اتفاق في هذا الحوار الداخلي يجعلها تكمل، ربما يكون اتفاقًا سديدًا موفقًا يذهب بها إلى راحة النفس الصالحة المطمئنة، وربما تكون اتفاقيات مبنية على الكذب والتجمل الذي تلجأ إليه كما قلنا لتستطيع الإكمال. المحصلة النهائية أن الكل يتحدث مع نفسه ويحاورها، ويصل معها إلى اتفاق ما، وهذا الحوار لا يسمعه أو يعلمه أحد غيره إلا الله.

لكن حينما تتجاوز تلك المفردات حاجز الصدور، وتخرج إلى الملأ لتتفاعل مع بعضها البعض عيانًا بيانًا =فإن ذلك مؤشر خطير؛ بل ربما يعده البعض نوعًا من الجنون، تخيل واحدًا يمشي يكلم نفسه، يتشاجر معها، يلومها ويبوخها؛ فترد نفسه عليه بتقريع مقابل، صوتهما يعلو على بعضهما البعض، الخناقة تشتد بينه وبين نفسه، ثم يعود فيمدحها ويثني عليها ويمجد أفعالها أو يبررها ويسوغها. ماذا ستقول حينئذ عنه؟ جن جنونه، فقد عقله، أعصابه أنهكت وخرج عن شعوره، وربما كل ذلك.

للأسف، هذا النموذج الجنوني هو الغالب على واقع العمل العام هذه الأيام، الكل تقريبا يكلمون أنفسهم، يخاطبون قواعدهم، لا تكاد تجد أحدًا يخاطب إلا أتباعه، أو أحدًا يسمع إلا موافقيه، ولا أحد تقريبًا مستعد لتغيير رأيه، أو خلع النظارة التي يزوده بها متبوعه ويحرص تمام الحرص على أن يظل مرتديًا إياها، لا يرى الدنيا إلا من خلال عدساتها، لست أعني واحدة من تلك النظارات التي نعرفها اليوم سواء الطبية منها أو الشمسية، إنما أعني تلك النظارة التي يرتديها المرء فتصبغ حياته ورؤيته وفهمه بلونها، فلا يرى الأشياء إلا من خلالها، ولا يحكم على الأمور إلا بقتامتها التي تحجب عنه تفاصيل وحقائق واضحات بينات لكل من لم يرتديها، تلك النظارة التي تتعاظم وتتضخم أحيانًا لتتحول دون أن يشعر مرتديها إلى سجن كبير، لا يرى الدنيا إلا من خلال نافذته الضيقة التي يقبع أسيرًا خلف قضبانها الباردة.

وأسر الأفكار كثيرًا ما يكون أشد إحكامًا من أسر الأسوار، ولربما تكون قضبان الجهل والتأول أصلب ألف مرة من قضبان السجون، لكن سجين الفكرة ربما لا يدرك أبدًا أنه سجين! بل قد يظل حبيسًا خلف قضبان تلك الأفكار التي تتملكه، دون أن يدرك -ربما لأعوام- أنه كان ينظر إلى الدنيا من خلال نافذة زنزانة تلك الفكرة أو من خلف زجاج نظارتها المعتمة، ويصم أذنيه إلا عن صوت من ألبسه إياها، صوت نفسه.

وقد تملك بعض الأفكار والتصورات والمشاعر على المرء حياته، فلا يتصور العيش إلا من خلالها، ولا يمكنه التنفس إلا في أعماقها، حتى إذا هبت عليه نفحة من نسيم مختلف، حبس أنفاسه خشية أن يختنق، حتى لو كان هذا نسيمًا عليلًا نظيفًا، يكفي أنه مختلف كي لا أستنشقه!

كذلك فعل قوم نوح، وضعوا أصابعهم في آذانهم، ورفضوا أن يسمعوا، واستغشوا ثيابهم وأبوا أن يروا، وأصروا واستكبروا استكبارًا!
وكذلك فعل الضلال في كل زمان ومكان حينما جاءتهم رسلهم بالبينات، فردوا أيديهم في أفواههم، ورفضوا أن يفتحوا الأبواب والنوافذ ليدخل الضياء إلى القلوب والعقول، أو يخلعوا النظارات ليروا الدنيا بألوانها الطبيعية.. والحقيقية.

ولو أن أحدهم أقدم وقرر يومًا أن يفعل، فيخلع النظارة ليرى الحياة بلونها الحقيقي، فسيدرك حينئذ الفارق الهائل بين وضوح الصورة ونقاوتها بدون النظارة، التي لونت حياته دون أن يشعر، حين كان حبيسًا خلف زجاجها القاتم، وقابعًا بين أسوار سجنها المظلم، الذي لم يفترض ولو للحظة أنه صواب يحتمل الخطأ، وأن غيره خطأ يحتمل الصواب.

لكن كثيرًا من الناس للأسف يستسلمون لذلك الأسر، ويصرون على ارتداء تلك النظارات التي تلون أحكامهم، والسماعات التي تسيطر على تقديراتهم لكل شيء، نظارات الحب الوردية التي تزين كل سوءة وتجمل كل قبيح، أو نظارات الكراهية السوداء الداكنة التي تنفي كل فضل وتنسب كل شر لم يُنظر إليه بتلك النظارة القاتمة، نظارات التعصب وسماعات الهوى، نظارات الشهوة وسماعات الشبهة، وما أكثر النظارات وما أشد سماكة السماعات!

في حافلة تزدحم بمجموعة متباينة من الأشخاص من مختلف الجنسيات، والأعراق، والألوان؛ كانت رحلة عودتي إلى مخيمات مِنى؛ بعد أداء طواف الإفاضة، وسعي الحج منذ عدة أعوام.
جاء مجلسي فى تلك الحافلة إلى جوار مجموعة من الحجاج الصينيين، وحاج نيجيري، وآخر عراقي. ظل الأخوة الصينيون طوال الطريق يتكلمون معي في حماسة بالغة، ويحاولون بإصرار عجيب إفهامي شيئًا ما لم أدرك ماهيته إلى اليوم!

وأنا أحاول إقناعهم -دون جدوى- أنى لا أفقه حرفًا من لغتهم؛ بينما يُلح علينا "التبَّاع" اليمني كي نساعده في إفهامهم قيمة الأجرة التي حاولنا جاهدين أنا والأخ العراقي والأخ النيجيري بيانها لهم بلا فائدة.

استمر الحوار المحتدم، والصياح المتبادل، لأكثر من ساعتين، حتى وصلنا إلى أرض مِنى، ولم يفهم أي منا الآخر. يومها تذكرت تلك المقولة العبقرية التي تُذكر حين يعجز كل طرف عن فهم الآخر، فيُطلق على حوارهم "حوار الطرشان".

تلك الصورة الهزلية لمجموعة من الصُم الذين يكلم كل منهم الآخر بحماسة شديدة تبدو أماراتها على قسماتهم، وتدفع كلًّا منهم للصياح بأعلى صوت ممكن في أذن محاوره، الذي لا تغادر اللا مبالاة وجهه؛ حتى إذا جاء دوره ليتكلم صاح بحماسة لا تقل عن حماسة الأول، الذي تنتقل إليه على الفور حالة اللامبالاة إياها، وهو معذور؛ فإنه ببساطة لا يسمع!

لا يسمع إلا جهة بعينها، فهمه ليس منضبطًا إلا على موجة واحدة، موجة موافقيه، نفسه تكلمه ويكلمها وحسب.

نفس الأحداث، ونفس الممارسات، ونفس المواقف تجدها في رواية بصياغة، وفي رواية أخرى بصياغة مضادة تمامًا، لا بد في كل حادث أو موقف أو خيار أن تكون هناك رواية ورواية مضادة ترددها القواعد ويقنعون أنفسهم من خلالها أنهم دومًا مظلومون مضطهدون، ملائكة في مقابل شياطين.

فهذا الحزب يخاطب قواعده ويقنعهم أن قراراته لا مثيل لهاـ وأنه هو الحزب الأعظم في تاريخ البشرية، وأنه الحريص الوحيد على مقدرات البلاد والقارئ الفريد لمناطات الاضطرار والحاجة والمتاح والممكن، وأنه هو المحافظ على الشريعة في كل حال، والحاقن الأوحد للدماء.
فمن يفهم تلك التوجيهات (العكاشية) اللوذعية التي تصدع كل مساء، محذرة من الماسونية الإرهابية، ومن يتحمل صرخات تلك المذيعة العصبية، أو نرفزات وبذاءات زوجها السوقية، أو لا يمل من هدوء أخيه المحنك، إلا أتباعهم ومعجبوهم على أريكتهم الوثيرة، التي على ظهرها المريح يقبلون ويتحملون كل ذلك، ويفهمون ويدركون مغزاها ومدلولها؛ فالرسائل موجهة لهم هم، وهم وحدهم.
ومن آن إلى آخر وعبر الأثير، سيرسل المغرد سؤاله الشهير الذي يثبّت به أتباعه المخلصين، قائلًا: هل هناك دولة؟! وسيدركون جميعًا المغزى، ويهللون ويرددون صيحات الإعجاب بتلك السنين الضوئية التي يسبق الجميع بها، ولن يفرق معهم بعد ذلك حتى لو ظل حبيس التغريدات وكأن شيئًا لم يتغير وكأن ثورة لم تقم.

حتى من هم أصحاب قضية عادلة كثير منهم للأسف يخاطب نفسه وحسب؛ إذ لا يتصور مطلقًا أن قناعة مخلوق ستتغير، أو سيتم تصحيح فكرة أو وعي، أو الترسيخ لمبدأ أو حق، حين يقال في ختام تلك التوعية أو الدعوة أو النصيحة كلمات من نوعية: (هز ديلك) أو (اشرب برسيم)، أو بصب اللعنات على المنصوح والمدعو.

وحين تنصح بتغيير الخطاب لتنجح التوعية وتظهر عدالة القضية، تجد حقيقة أن الخطاب ليس توعية ولا يحزنون، وأن الأمر في كثير من الأحيان ما هو إلا حديث نفس لتثبيت القواعد، أما الآخرون ففي نظرهم لا فائدة أصلًا منهم، وكأنهم قد حكموا بمآلهم ومصيرهم.

الكل في النهاية -إلا من رحم الله- يسقي أتباعه ومؤيديه جرعة التثبيت، ويعطيهم الرواية التي تناسبهم، والاجابة التي تجعلهم ينامون مرتاحي البال، بعد أن يحفظوا تلك الإجابة التي لقنتها لهم أنفسهم -أقصد فئتهم أو نوعهم أو فصيلهم أو حزبهم- ثم يضعونها (كوبي وبيست) عند خصومهم ومخالفيهم، وطبعًا خصومهم لن يقرأوها لأنهم يرتدون نظارات من لون آخر، وهم أيضًا مضبوطون على موجة معينة لكن مختلفة، ولابد لكي تكلمهم أن يكون ذلك من خلال تلك الموجة، وتعطيه الرواية التي يصح معها أن تقول إنه يكلم نفسه، ونفسه ترد عليه.

بذلك تثبت القواعد، نعم؛ لكن كل قاعدة تظل على جزيرتها المنفصلة التي تتباعد باستمرار عن الجزر الأخرى، وتتقطع باستمرار مع هذا التباعد كل خطوط التواصل المحتملة، وكل فريق يستعمل نفس الحالة أو الموقف فى نصرة فكرته، وزيادة درجة العتمة على زجاج النظارات الداكنة التي يسيطر بها على رؤية أتباعه ومريديه وموافقيه، أو مضاعفة سُمك السماعة التي تعزل سمع مؤيديه ومحبيه.

ورغم أن الصوت عالٍ، إلا أنه من النادر أن تجد أحدًا يسمع أو يعقل في كل تلك الضوضاء، اللهم إلا من مصدر واحد فقط في النهاية:
نفسه، تكلمه ويكلمها..

الكريسماس جذوره وتاريخيته


يحتفل أغلب العالم الآن بعيد ميلاد المسيح، أو (الكريسماس)، في يوم 25 ديسمبر، بينما يحتفل به الأقباط في مصر يوم 29 كيهك الموافق 7 يناير، وتحتفل به الكنائس الأرمينية يوم 6 يناير، ففي أي يوم ولد المسيح؟ ومتى بدأ ذلك الاحتفال وما أصله؟
يجدر بنا أن نبدأ أولًا بمعرفة أصل ذلك الاحتفال ومصدره؛ ففكرة الاحتفال بأعياد الميلاد كانت محل رفض شديد في الكنيسة الأولى، كما تقول دائرة المعارف الكتابية، وأيضًا بحسب الموسوعة الكاثوليكية فإن هذا العيد لم يكن من احتفالات المسيحية القديمة؛ حيث أنها كانت عادة الوثنيين، فكانوا يحتفلون بميلاد الأباطرة وبميلاد الآلهة.
وقد استنكر هذه العادة آباء الكنيسة الأوائل، مثل أوريجانوس (182 – 254م)؛ حيث قال إنه بحسب الكتاب فإن العصاة فقط وليس القديسين هم من يحتفلون بأعياد ميلادهم. وأيضًا فإن كلًّا من: ترتليانوس (160 – 220م)، وإيرينيئوس (130 – 202م)، لم يضما هذا العيد ضمن قوائمهم بالاحتفالات المسيحية.
بحسب دائرة المعارف الكتابية فإن هيبوليتس (170 – 236م) قد روى أن هذا الاحتفال بدأ في القرن الثاني، وبحسب الموسوعة الكاثوليكية فإنه بدأ في مصر. إلا أن القدماء لم يجمعوا على يوم معين لميلاد المسيح، فقد اختلفوا في ذلك كثيرًا.
عن تلك الخلافات القديمة نجد شهادة إكليمنضس السكندري (150 – 215م)؛ حيث قال: "إن بعض اللاهوتيين المصريين حددوه في 20 من شهر مايو، وقد حدده آخرون في 19 أو 20 أبريل".
وفي كتاب منسوب بالخطأ إلى كبريانوس (200 – 258م) جعل يوم مولد المسيح في 28 مارس لأنه اليوم الذي خلقت فيه الشمس.
وتنقل لنا الموسوعة الكاثوليكية عن المؤرخ الإيطالي Lupi أنه لا يوجد شهر في العام لم يدّعِ أحد المصادر المسيحية المعتبرة أن المسيح قد ولد فيه. ولهذا تقول دائرة المعارف الكتابية أنه لا يمكن تحديد اليوم ولا الشهر الذين ولد فيهما (يسوع) بدقة.
وبشكل عام كان المسيحيون حتى القرن الثالث يحتفلون بعيد الميلاد وبعيد الظهور الإلهي في يوم واحد، وهو السادس من يناير، ثم تقرر بعد ذلك الفصل بين العيدين، وأصبحت الكنائس بدءًا من القرن الرابع تحتفل بكل عيد في يوم، واختاروا الخامس والعشرين من ديسمبر للميلاد، والسادس من يناير للظهور، إلا أن الكنيسة الأرمينية ظلت على العادة الأولى تحتفل بالاثنين معًا في اليوم السادس من يناير.
وكانوا في الماضي يتبعون التقويم اليولياني، إلا أنه بعد أن ثبتت عدم دقته تحولت الكنائس إلى استخدام التقويم المتبع عالميًّا الآن وهو التقويم الميلادي، لكن الكنائس الشرقية ومنها القبطية والروسية ظلوا يستخدمون التقويم القديم، الذي يوافق فيه يومُ الخامس والعشرين من ديسمبر يومَ السابع من يناير.
فكيف تم إذن اختيار هذا اليوم للاحتفال بالميلاد؟ هناك عدة نظريات في سبب اختيار ذلك اليوم، أهمهم اثنتان.
النظرية الأولى: تقول إن هذا التاريخ جاء وفق حسبة تقول بأن يوم الحبل بيسوع هو يوم وفاته، وأن ذلك كان في 25 مارس، وهو تقليد غير إنجيلي يرجع إلى ترتليانوس، إلا أن هذا التاريخ -كما تقول الموسوعة الكاثوليكية- مستحيل تاريخيًّا، وذلك نظرًا للصعوبات التاريخية الأكبر في تحديد يوم الصلب والوفاة، وبإضافة تسعة أشهر يكون ميلاده في 25 ديسمبر.
فالأناجيل كما يقول المؤرخ القبطي الكبير عزيز سوريـال عطية في الموسوعة القبطية: "لم تحدد لا اليوم ولا الشهر الذين ولد فيهما المسيح". علاوة على أن المعلومات الموجودة بالأناجيل تؤكد صعوبة أن يكون الميلاد في شهر ديسمبر، لسببين:
الأول: قصة الإحصاء التي نجدها في [إنجيل لوقا 2: 1-3]: "وفي تلك الأيام صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة. وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سورية. فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد إلى مدينته". ومثل هذا الإحصاء الذي كان يتطلب سفر عائلات بأكملها كان مستحيلًا إتمامه في الشتاء.
الثاني: قصة الرعاة الذين كان يحرسون الغنم في الليل في العراء [إنجيل لوقا 2: 8]: "وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم". ومن الصعب جدًّا أن يرعى الغنم في ليل شتاء ديسمبر في فلسطين.
النظرية الثانية: تقول بأن هذا التاريخ اختير بالمماثلة مع أعياد وثنية سابقة للمسيحية، وهي النظرية الأقوى، نظرًا للصعوبات التاريخية والحسابية التي تواجهها النظرية الأولى، وأيضًا بسبب توافقها مع النهج المسيحي في القرون الأولى.
يقول ويل ديورانت عن علاقة المسيحية بالوثنية القديمة: "إن المسيحية لم تقضِ على الوثنية، بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها".
ويقول أيضًا المؤرخ القبطي الكبير عزيز سوريال عطية، في تاريخ المسيحية الشرقية: "إن حب المصري للتدين قد خنق أمام عقله أشياء كثيرة ظلت بصماتها واضحة على الديانات السماوية اللاحقة تاريخيًّا. ويبدو هذا واضحًا فيما تسرب من العقائد القديمة إلى الديانة المسيحية بوجه خاص".
فمن أي الأعياد الوثنية نقل الاحتفال بعيد الميلاد؟
يبدو أن الاحتفال بعيد الميلاد اخترع ليحاكي عيد الشمس التي لا تقهر، Natalis Invicti؛ حيث إن الاحتفال بهذا العيد كان منتشرًا بشدة في الإمبراطورية الرومانية، ويؤكد تلك المعلومة ما نجده في معجم الإيمان المسيحي لصبحي حموي اليسوعي، وأيضًا في الموسوعة الكاثوليكية، وفي مئات المراجع التاريخية والمسيحية التي لا مجال لسردها.
وأيضًا بسبب ارتباط هذا اليوم بالديانة الميثرائية، كما يخبرنا سلوان موسى في كتابه سر التجسد، وويل ديورانت في قصة الحضارة. ويقول ويل ديورانت أيضًا في مباهج الفلسفة إن: "عيد الميلاد Christmas في الأصل عيدًا مصريًّا خاصًّا بمولد الشمس، أي عند الانقلاب الشتوي حين يتحرك الفلك المقدس شمالًا، وتأخذ الأيام تطول".
إلا أنه بالرغم من أن هذا التاريخ غير مبني على أي أساس تاريخي حقيقي، بل هو فقط محاولة من الكنيسة لأن تحصد أعدادًا جديدة من الوثنيين بتنصير أعيادهم الوثنية، كما تقول أ.ل. بتشر في تاريخ الأمة القبطية، وأيضًا ماهر محروس مرجان في كتاب تأثير المسيحية في مصر الفرعونية، إلا أن بعض الآباء يعتقدون أن المسيح ولد بالفعل في هذا اليوم، كما ورد في موسوعة Gale للأديان.
ولذلك حاولوا أن يبرروا لاهوتيًّا ذلك التماثل بين تاريخ ميلاد يسوع وتاريخ ميلاد إله الشمس الذي لا يقهر؛ فنجد مثلًا يوحنا ذهبي الفم (347 – 407م) يقول: "لكن ربنا نحن أيضًا ولد في شهر ديسمبر... في الخامس والعشرين من ديسمبر... لكنهم يسمونه عيد (الذي لا يهزم) ومَن هذا الذي لا يهزم سوى ربنا...؟ وإن كانوا يقولون إنه يوم ميلاد الشمس، فإنه هو شمس البر".
وهو هنا يشير إلى نص [سفر ملاخي 4: 2]: "ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها فتخرجون وتنشأون كعجول الصيرة". وهو نص من العهد القديم يعتقد المسيحيون أنه يشير إلى يسوع.
تلخيصًا لما سبق أقول إن يوم الخامس والعشرين من ديسمبر ليس يوم ميلاد المسيح، بل هو يوم العيد الوثني لميلاد الشمس، قام المسيحيون في الماضي بتنصيره من أجل كسب ود الوثنيين.

كلية الطب وكلية الهندسة بجامعة دمياط




في إطار سعية الحثيث لسرعة انشاء كلية الطب وكلية الهندسة بجامعة دمياط ،
قام السيد ا.د/ علي فتحي حمايل – رئيس الجامعة بمخاطبة السيد أ.د/ اشرف حاتم – أمين المجلس الأعلى للجامعات للاطلاع علي آخر المستجدات في هذا الأمر ،
الذي أوضح أن لجنة القطاع الطبي قامت بتشكيل لجنة ثلاثية من عمداء ثلاث كليات للطب لدراسة انشاء كلية للطب بجامعة دمياط ومراجعة اللوائح ،
كما أوضح أيضا أن لجنة القطاع الهندسي التابعة للمجلس الأعلى للجامعات قامت بتشكيل لجنة ثلاثية من ثلاث عمداء لكليات الهندسة لسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لإنشاء كلية الطب وكلية الهندسة بجامعة دمياط .

انشاء كلية الحقوق بجامعة دمياط



" في إشارة واضحة علي أن بناء الجامعة يسير فى الإتجاه السليم "

وافقت لجنة القطاع القانوني بالمجلس الأعلي للجامعات علي تشكيل لجنة ثلاثية من عمداء ثلاث كليات للحقوق لدراسة انشاء كلية الحقوق بجامعة دمياط علي أن تبداء الدراسة بها العام الدراسي القادم ان شاء الله"
لعبة من سيربح المليون لعبة زوما